محمد أبو زهرة
1819
زهرة التفاسير
وقد أجابوا عن ذلك بما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله : قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ، ومعنى مستضعفين أنهم أريد ضعفهم وإذلالهم وعدم تمكينهم من إقامة الحق ؛ لأن السين والتاء تدلان على طلب الضعف لهم من غيرهم ، فهم يعتذرون بأن أعداء الدين أو المسيطرين عليهم أرادوا بهم هذا الضعف ، وألزموهم إياه ، فلم يستطيعوا عنه حولا ! . وهذا اعتذار غير سليم ، لأنهم كانوا في ذات أنفسهم ضعفاء ، إذ رضوا بالذل والهوان ، ولذلك قالت لهم الملائكة : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها والاستفهام هنا إنكاري أيضا ، ومعناه : لقد كانت أرض الله تعالى واسعة ، فلما ذا لم تهاجروا إلى تلك الأرض الواسعة ، حيث العزة ، وحيث الجهاد ، وحيث يكثر سواد المسلمين ، ويعتز أهل الإيمان ، ويكون المؤمنون بعضهم لبعض ، ويكونون في الجهاد كالبنيان المرصوص المتماسك ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا » « 1 » . وإن هذا النص الكريم يدل على أن المؤمن محاسب إذا رضى بالذل والدعة والعيش الناعم في غير أرض الإسلام ، وأنه خير له أن يعيش في ظل الإسلام وفي خشن العيش مع العزة ، من أن يعيش في نعيم مع الذلة ، ولذا قال تعالى في عقاب هؤلاء المنقطعين عن الإسلام : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً أي إن هؤلاء الذين رضوا بالذل وظلموا أنفسهم ، أو رضوا بأن يكونوا في قوة أعداء الإسلام ، ولم يكونوا مع المسلمين ، مدعين أن الضعف هو الذي أقعدهم - إذا كانوا قد ارتضوا الإقامة في مكان الهوان في الدنيا ، فإن مأواهم الذي يأوون إليه في الآخرة هو جهنم ، وهي مصيرهم الذي يصيرون إليه ، ونهايتهم التي ينتهون إليها ، وما أسوأ جهنم مآلا ونهاية ومأوى لمن يسيرون في طريقها ، فأولئك جمعوا على أنفسهم هوان الدنيا وعذاب الآخرة ! .
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الصلاة - تشبيك الأصابع ( 481 ) ، ومسلم : البر والصلة والآداب - تراحم المؤمنين وتعاطفهم ( 2585 ) . عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .